الأخبار

غزة.. الاحتلال يحول معبر رفح إلى أداة عقاب جماعي

غزة.. الاحتلال يحول معبر رفح إلى أداة عقاب جماعي

أدانت منظمة "صحفيات بلا قيود" الإجراءات التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين عند معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر، وأكدت بأن استمرار سيطرة الاحتلال على المعبر وفرض قيود مشددة على الفلسطينيين يعد انتهاكاً صارخاً لحرية التنقل والحقوق الإنسانية الأساسية التي كفلها القانون الدولي للمدنيين.

وبحسب التقارير الإعلامية، سمحت قوات الاحتلال لخمسة مرضى فقط، يرافق كلٌ منهم اثنان من أقاربه، بالعبور إلى مصر. وكان من المقرر دخول 50 فلسطينيًا إلى القطاع وخروج عدد مماثل، ممن يحتاجون لرعاية صحية ضرورية ومنقذة للحياة خارج غزة.
وأشارت صحفيات بلا قيود، بأن سلطات الاحتلال، لم تسمح إلا لـ 12 فلسطينيًا فقط من أصل 50 كانوا مفترضين بالعودة إلى غزة عبر المعبر، بينما مُنع 38 آخرين من اجتياز الفحص الأمني، واضطروا للانتظار على الجانب المصري طوال الليل. وبذلك بلغ إجمالي المسموح لهم بالعبور من الداخلين والخارجين 27 شخصًا فقط، وفقًا لتقرير لوكالة رويترز، الثلاثاء 3 فبراير الجاري، مما عطل سفر الغالبية وحرمهم من حق العلاج الذي يساهم ببقائهم على قيد الحياة.

وتعرض العائدون الـ12 لانتهاكات صارخة، حيث وثقت منظمات حقوقية اعتقال ثلاث نساء وتقييد أيديهن لساعات، واحتجاز عدد من العائدين من قبل مليشيا مسلحة شكلتها سلطات الاحتلال الاسرائيلي قبل نقل النساء للتحقيق لثلاث ساعات تقريبًا، رغم خضوع العائدين للتفتيش سابقًا على الجانب المصري. 
ووفق التفاصيل، فقد أُجبر المسافرون على المرور عبر ممر محاط بالأسلاك الشائكة تحت المراقبة، وعبور بوابات منفصلة، إحداها تابعة للسلطة الفلسطينية تحت إشراف أوروبي، لكن سلطات الاحتلال تتحكم فيها عن بُعد.
وأكدت صحفيات بلا قيود إن هذه الممارسات تشكل، بموجب القانون الدولي، ركائز لنظام "فصل عنصري" (أبارتهايد) يخرق الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري واتفاقية روما للمحكمة الجنائية الدولية، والتي تعتبر "الأبارتهايد" جريمة ضد الإنسانية.

سيطرة فعلية على القطاع
ونوهت صحفيات بلا قيود، بأن هذه الانتهاكات تأتي في ظل استمرار سيطرة الاحتلال على ما يزيد عن 52% من مساحة قطاع غزة، حيث يُحشر أكثر من مليوني فلسطيني في ظروف إنسانية كارثية، مع بنية تحتية مدمرة، ونقص حاد في المساعدات والخدمات الأساسية، رغم الإعلان عن اتفاقات لوقف إطلاق النار.
ولفتت المنظمة، بأن الجرائم الإسرائيلية المروعة والمستمرة خلّفت منذ أكتوبر 2023 حتى 3 فبراير الجاري 71,803 شهيدًا، طبقاً لإحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، علماً أن أعدادًا كبيرة لا تزال تحت الأنقاض. كما بلغ عدد الإصابات 171,570 معظمهم من الأطفال والنساء. ويحتاج عدد كبير من الجرحى وراغبي العلاج إلى السفر للخارج، بينما يعاني مرضى الأمراض المزمنة والمستعصية من نقص الرعاية بسبب تدمير المنظومة الصحية وشح المساعدات.
واعتبرت صحفيات بلا قيود، أن استمرار سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على المعبر الفلسطيني، هو جزء من سياسة الاحتلال المتعمدة التي تهدف إلى فرض تدابير معيشية تقود إلى تفريغ غزة من سكانها، مما يعني عمليًا تحقيق "إبادة جماعية".
وقالت صحفيات بلا قيود إن تمركز قوات الاحتلال في محور صلاح الدين (فيلادلفيا) وسيطرتها على معبر رفح منذ أيار/مايو 2024، يمثل تكريسًا لسياسة الحصار الخانق، وإحكامًا لعزل غزة عن العالم الخارجي، بما يعرّض مئات الآلاف من المدنيين لخطر الموت، سواء بحرمانهم من العلاج المنقذ للحياة أو بمنع المساعدات الإنسانية.

انتهاك جوهري
ونوهت صحفيات بلا قيود، بأن الوقائع الميدانية توثق ممارسات إسرائيلية تشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، من بينها الضم الفعلي للأرض، ويتمثل هذا في إنشاء مواقع عسكرية دائمة داخل غزة، وفرض قيود تمنع النازحين من العودة إلى ديارهم، ما يعني إحداث تغيير جغرافي وديمغرافي خطير، وهو ما يخالف المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة، وينتهك المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر العقوبات الجماعية.
كما يشكل احتلال محور فيلادلفيا (صلاح الدين) وتوسعته، على الحدود مع مصر انتهاكاً جوهرياً آخر، حيث يغير الوضع القانوني للأرض المحتلة باقتطاع جزء حيوي منها، وهو أمر يحظره صراحةً القانون الدولي الإنساني. وترقى هذه الممارسات، عندما تقترن بنية التدمير الممنهج، إلى أفعال تدخل في نطاق جريمة الإبادة الجماعية وفقاً لاتفاقية عام 1948، لما تشكله من تهديد منهجي للحق في الحياة والصحة.
يذكر أن القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة - كالقرارين 194 (1948) و242 (1967) - ترفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وتؤكد على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض.

خلفية
يقع معبر رفح على محور صلاح الدين (فيلادلفيا)، وهو شريط حدودي بطول 14 كم على الحدود بين مصر وغزة، يمتد من البحر المتوسط حتى معبر كرم سالم. يُعتبر هذا المعبر المنفذ الرئيسي لأهالي غزة نحو العالم الخارجي.
وتخضع المنطقة لاتفاقية أمنية مصرية-إسرائيلية، تمنح مصر سيطرة إدارية على المعبر. ومنذ عام 2007، فرضت إسرائيل حصاراً خانقاً على القطاع، مما دفع الفلسطينيين إلى الاعتماد على أنفاق التهريب للحصول على الاحتياجات الأساسية، وقد دمرت معظم هذه الأنفاق لاحقاً بموجب الاتفاقية الأمنية.
ومنذ العدوان الإسرائيلي على غزة، أكتوبر 2023، استهدفت إسرائيل المحور مباشرةً، حيث قصفته واحتلت أجزاءً منه بحجة تدمير الأنفاق المتبقية. وكشف الإعلام العبري آنذاك عن نية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، السيطرة الدائمة على محور فيلادلفيا للتحكم بالمعبر وفرض قيود صارمة على دخول المساعدات الإنسانية. وقد زار نتنياهو الموقع شخصياً وأكد عزم إسرائيل البقاء فيه. في المقابل، عززت مصر وجودها العسكري على حدودها لمنع أي اختراقات، وهو ما ضاعف المأساة الإنسانية في غزة.
وسيطرت إسرائيل بشكل كامل على المعبر الحدودي في أيار/مايو 2024، وكان إعادة فتح المعبر أحد بنود خطة السلام الأمريكية (خطة ترامب)، حيث أُعلن في كانون الثاني/يناير الفائت عن بدء المرحلة الثانية التي كان من المفترض أن تشمل مفاوضات حول إدارة غزة المستقبلية وإعادة إعمارها.

وبناء على ما ورد، تقدم منظمة "صحفيات بلا قيود" المطالب العاجلة التالية إلى المجتمع الدولي والأطراف المعنية:
إنهاء السيطرة العسكرية الإسرائيلية على معبر رفح وسائر المعابر، وتمكين إدارة فلسطينية-دولية كاملة للمعبر لضمان حرية تنقل المدنيين وتدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.
2ـ دعوة المجتمع الدولي، ولا سيما المحكمة الجنائية الدولية، إلى تحميل سلطات الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية القانونية الكاملة عن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الموثقة، بما في ذلك أعمال الفصل العنصري (الأبارتهايد) والعقاب الجماعي، وضمان المساءلة.
الضغط على سلطات الاحتلال وإجبارها على التوقف فوراً عن جميع الإجراءات التي تهدف إلى الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية، وإزالة جميع المواقع العسكرية الدائمة داخل غزة، وخارجها، وضمان حق النازحين الفلسطينيين في العودة الآمنة إلى ديارهم التي هجروا منها.
رفع الحصار الخانق عن قطاع غزة بشكل كامل وفوري، وضمان وصول غير مقيد للمساعدات الإنسانية والطبية والغذائية، وتسهيل سفر المرضى والجرحى للحصول على العلاج خارج القطاع.
حث مجلس الأمن الدولي على الاضطلاع بمسؤولياته لفرض احترام القانون الدولي، وحماية المدنيين الفلسطينيين من سياسات الإبادة الجماعية، والعمل على إنهاء الاحتلال وضمان حقوق الفلسطينيين أرضاً وإنساناً.

 

Author’s Posts

مقالات ذات صلة

Image